منصور الصمدي
«عدن» التي لا تنام..!!
الساعة 04:17 مساءاً
منصور الصمدي

بقلم: منصور الصمدي
للليل في «عدن» حكاية أخرى، وشكل أبهى، ومعنى مختلف .. إنه مهرجان للفرح والمرح والسمر والبهجة والأنس والدهشة .. وموعد للتسوق والتنزه والتأمل والحب والبوح والتجلي الوجداني والنشوة المترامية.

مع لحظة الغروب تأخد الحياة في هذه المدينة المزدانة بالأنوار والألوان - طابعاً وإيقاعات جديدة ومتسارعة بها من الوهج والجمال والألق ما يزيل عن القلوب المكلومة ملح وأوجاع الأيام، ويشيع في النفوس الطمأنينة والفرح الروحي.  

مع حلول المساء يتزاحم الأهالي على إمتداد شواطئها ذات التنوع الفريد والآسر، يمتزج صخبهم ومرحهم بأصوات تدفق الأمواج ليشكلا بذلك معزوفة وجودية تؤكد أن هذه «الجغرافيا» لا تزال عامرة بالحياة .. في حين يتوزع العشاق في الأرجاء، يتناوجون همساً متبادلين بوح الحب، وآمال المستقبل.

تكتض الأسواق بأفواج الفاتنات الأنيقات فينتثر العطر وأريج الفل والكاذي وعبق البخور على إمتدادها .. ومن على الأرصفة تتعالى أصوات اولئك البسطاء «الباعة الجائلين» الذين يلاطفون المارة مستعرضين مميزات وإغراءات سلعهم «الأصلية» والرخيصة.

من البعيد تتناهى الى الأسماع أغاني الراحل فيصل علوي «علم حنا - أسيل الخدود - حالي ويستاهل» بأصوات شبابية شجية مصحوبة بأهازيج صاخبة .. يعلتي العرسان المنصات التي نصبت لهم في نواصي الخيام، ويتناوب الشباب المسكونون بالشغف على إستعراض مهاراتهم في الرقص .. ومن المنازل المحيطة تتردد أصداء الزغاريد والمزامير، وتطلق الألعاب النارية .. تأكيداً بأن هذا «الثغر الباسم» خلق للفرح.

في المقاهي يجلس الرفاق القدامى في حلقات متفاوتة يحتسون الشاي العدني، ويتسامرون، ويطلقون النكات، ويلعبون «الدومينو»، مسترجعين ذكريات وحكايا الزمن الجميل .. في حين يحتشد الأطفال في أوساط «الحوافي» يلعبون ويمرحون، مصدرين صخباً بديعاً بريئاً يؤكد أن مستقبل هذه المدينة واعد بالإزدهار والخير والسلام.

وأينما وليت وجهك في هذه المدينة ذات التاريخ العريق، تصافحك وجوه بشوشة باسمة، ورغم إنحدارها من مناطق ومحافظات وأصول وأعراق وقبائل وقوميات مختلفة ومتعددة - الاّ أن جميعها تبدو بسيطة وديعة تشع منها كل معاني اللطف والطيبة والبراءة والألفة والحب والإنسانية الحقة.

لهذا ستظل وتبقى «عدن» ملاذ النازحين والمبعدين، ودوحة المتعبين الفارين من وجع الحياة وصخبها، وقبلة السائحين وعشاق الطبيعة، والإنموذج الأمثل والأروع للمدن العريقة والمنيعة المسكونة بالفرح والتي لا تنام، ولا تستسلم للركود، ولا تقبل سوى بالتنوع والتعايش الخلاق والجميل .. وهذه مجتمعة هي التجسيد الحقيقي لما عرف بـ«اليمن السعيد».

*عدن: ٢٢ يناير ٢٠٢٠م

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص